السيد محمد تقي المدرسي
255
من هدى القرآن
الإمام الباقر عليه السلام قال : كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ آبَاءٍ كُلُّهُمْ أَنْبِيَاء ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ بُعِثُوا خَاصَّةً وَعَامَّةً فَأَمَّا نُوحٌ فَإِنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى مَنْ فِي الْأَرْضِ بِنُبُوَّةٍ عَامَّةٍ ، وَرِسَالَةٍ عَامَّة ] « 1 » . . وفي الأخبار أن اسمه ليس نوحا ] « 2 » ، بل السَّكن ] عن الإمام علي عليه السلام « 3 » ، وقيل : عبد الأعلى ] « 4 » وقيل : عبد الملك ] « 5 » عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : وَإِنَّمَا سُمِّيَ نُوحاً لِأَنَّهُ نَاحَ عَلَى قَوْمِه « أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً » ] « 6 » . كما قال أمير المؤمنين للشامي ، وفي معاني الأخبار : مَعْنَى نُوحٍ أَنَّهُ كَانَ يَنُوحُ عَلَى نَفْسِهِ وَبَكَى خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَنَحَّى نَفْسَهُ عَمَّا كَانَ فِيهِ قَوْمُهُ مِنَ الضَّلَالَة ] « 7 » . وقال الصادق عليه السلام عن النبي : عَاشَ نُوحٌ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَأَرْبَعَ مِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَة ] ، وعنه عليه السلام أنه قال : كَانَتْ أَعْمَارُ قَوْمِ نُوحٍ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ ، ثَلَاثَمِائَةِ سَنَة ] « 8 » . والآية تشير إلى أن الأمم تسير عبر دورة حضارية ، ففي البدء يكونون على فطرة الإيمان والاستقامة ثم ينحرفون ، وعند منعطف خطير من حياتهم وبالضبط عند الانحدار القاتل يبعث الرسل والمصلحون لكي يوقفوا مسيرة السقوط ، ولذلك يبدأ الأنبياء في الغالب بالإنذار باعتبارهم يُرسَلُون إلى قوم ضلوا وانحرفوا ليُحذِّرونهم مغبة استمرارهم في الضلال . « أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » ، لأن العذاب لا يأتي من الفراغ ، بل هو سنة إلهية وقانون تكويني له أسبابه ومبرراته التي يستطيع الإنسان بإزالتها تلافيه والنجاة منه ، ولهذا فإن الاستجابة للإنذار تنفع ما دام العذاب لم يحن أجله ، حيث الفرصة لا تزال قائمة ، يمكن فيها الإصلاح والتغيير . ومعرفتنا بخلفيات انبعاث الرسل في الأمم المختلفة وأهدافهم . . وبالذات أنهم ينهضون للتغيير ويتصدون لقيادة الإصلاح حينما تتردى أوضاع المجتمعات وتسير إلى العذاب ، إن تلك - المعرفة - يحمِّلنا بالتأكيد مسؤولية التصدي للتغيير إذا كنا نريد اتباع الأنبياء ومواصلة مسيرتهم ، وإذا كنا نريد للناس الخير والصلاح . بلى ؛ إن النبوة سمة غيبية يختص بها الله من يشاء من عباده ، ولكن الرسالة أمانة ومسؤولية يمكن لأي إنسان أن يرتفع إلى مستوى حملها والتصدي لها ، فيكون قائدا رساليًّا بالتزام الحق ، واتباع النهج الإلهي الذي مشى على هداه الأنبياء والرسل عليهم السلام .
--> ( 1 ) كمال الدين وتمام النعمة : ج 1 ، ص 219 . ( 2 ) راجع بحار الأنوار : ج 11 ، ص 287 - 286 . ( 3 ) بحارالأنوار : ج 10 ، ص 78 . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 287 . ( 5 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 286 . ( 6 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 286 . ( 7 ) معاني الأخبار : ص 48 . ( 8 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 289 .